الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
499
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ثم المراد « برؤية الفؤاد » رؤية القلب ، لا مجرد حصول العلم ، لأنه - صلى اللّه عليه وسلم - كان عالما باللّه على الدوام . بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره ، والرؤية لا يشترط لها شيء مخصوص عقلا ، ولو جرت العادة بخلقها في العين . وروى ابن خزيمة بإسناد قوى عن أنس قال : ( رأى محمد ربه ) وفي مسلم من حديث أبي ذر أنه سأل النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - عن ذلك فقال : ( نور أنى أراه ) أي حجابه نور فكيف أراه ، ومعناه : أن النور منعني من الرؤية . وعند أحمد قال : ( رأيت نورا ) ومن المستحيل أن تكون ذات اللّه تعالى نورا ، إذ النور من جملة الأعراض ، واللّه تعالى يتعالى عن ذلك . وعند ابن خزيمة عنه ، قال : ( رآه بقلبه ولم يره بعينه ) . وبهذا يتبين مراده في حديث أبي ذر بذكر النور ، أي أن النور حال بينه وبين رؤيته له ببصره . وجنح ابن خزيمة في كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات ، وأطنب في الاستدلال بما يطول ذكره ، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤية وقعت مرتين : مرة بقلبه ومرة بعينه . ومما يعزى للأستاذ عبد العزيز المهدوى : أنه - صلى اللّه عليه وسلم - لما رجع من سفر الإسراء ، أخبر العوالم من حيث فلكهم مراتبهم ، وسقى كل واحد من كأسه ، وعلى قدر عقله ، فخاطب الكفار ، وهم آخر العوالم بما رأى في الطريق ، وما كان في المسجد الأقصى على العيان وبما يعرفون ، لأنهم في فلك الأجسام ، حتى صدقوا بالإسراء ، ثم ارتقى حتى حدث عن فلك السماء ، وكذلك في كل سماء ، وأخبر عما شاهد ورأى في كل فلك وما يليق أن يحدث به - أعنى الصحابة - كلا على قدر مرتبته بلا ضيق ولا مزاحم إلى السماء السابعة ، ولما وصل مقام جبريل تحدث عن الأفق المبين ، وعما فوق إلى الدنو وإلى التدلي إلى موضع الإيحاء عند حضرة إسقاط الصور والخلق ، فأخبر بذلك أصحابه ، فمنهم من قال : رأى جبريل بالأفق المبين ، وبالأفق الأعلى ، وصدق ، ومنهم من قال برؤية الفؤاد والبصيرة وصدق ،